عبد الوهاب الشعراني
11
لواقح الأنوار القدسية في بيان العهود المحمدية
العبد بعمل غيره أبدا ، وما رأينا أحدا نام إلى الصباح وأصبح يرائي أو يعجب أو يتكبر بفعل جاره القائم طول الليل أبدا فعلم أن من لم يصل إلى دخول حضرة الإحسان ويشهد أعماله كلها خلقا للّه تعالى كشفا ويقينا لا ظنا ولا تخمينا فهو معرض للوقوع في الرياء ولو حفظ ألفي كتاب ، فاطلب يا أخي شيخا صادقا إن طلبت الترقي إلى مقام الإخلاص ، ولا تسأم من طول طلبك له ، فإنه أعز من الكبريت الأحمر ، فإنه من أقل شروطه التورع عن أموال الولاة ، وأن لا يكون له معلوم في بيت المال ولا مسموح ولا هدية من كاشف ولا شيخ عرب ولا شيخ بلد بل يرزقه اللّه تعالى من حيث لا يحتسب ، ويستخلص له الحلال الصرف من بين فرث الحرام ، ودم الشبهات ، وإلا فقد أجمع أشياخ الطريق كلهم على أن من أكل الحرام والشبهات لا يصح له إخلاص في عمل ، لأنه لا يخلص إلا إن دخل حضرة الإحسان ، ولا يدخل حضرة الإحسان إلا المطهر من سائر النجاسات الباطنة والظاهرة ، لأن مجموع أهل هذه الحضرة أنبياء وملائكة وأولياء ، وهؤلاء من شروطهم العصمة والحفظ من تناول الحرام والشبهات ، فكل شيخ لم يصح له الحفظ في نفسه فهو عاجز عن توصيل غيره إلى تلك الحضرة ، اللهم إلا أن يمن اللّه تعالى على بعض المريدين بالجذب دون السلوك المعهود فهذا لا مانع منه ، فعلم أنه يجب على كل طالب علم لم يصل إلى الإخلاص أن يتخذ له شيخا يعلمه طريق الوصول إلى درجة الإخلاص ، من باب : ما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب قال تعالى : وَما أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفاءَ وَيُقِيمُوا الصَّلاةَ وَيُؤْتُوا الزَّكاةَ وَذلِكَ دِينُ الْقَيِّمَةِ ( 5 ) [ البينة : 5 ] . أي يقيموا الصلاة من العوج كالغفلة عن اللّه تعالى فيها ، ويؤتوا الزكاة يعني بلا علة ثواب ولا خوف عقاب بل امتثالا لأمر اللّه تعالى كالوكيل في مال موكله . وسمعت سيدي عليا الخواص رحمه اللّه يقول : من أقل درجات الإخلاص أن يكون في أعماله كالدابة المحملة ، فهي تعبانة من ثقل حملها منكسة الرأس لا تعلم بنفاسة ما هي حاملته ولا بخسته ولا تعلم هو لمن ، ولا إلى أين ينتهي حملها ؟ ولا ترى لها بذلك فضلا عن غيرها من الدواب ، ولا تطلب على حملها أجرا ا ه . وسمعته يقول : إذا راءى العبد بعلمه وعمله حبط عمله بنص الكتاب والسنة ، وإذا حبط عمله فكأنه لم يعمل شيئا قط فكيف يرى نفسه بذلك على الناس مع توعده بعد الإحباط بالعذاب الأليم ، فليتنبه طالب العلم لمثل ذلك ا ه . قلت : وكذلك ينبغي للفقير المنقطع في كهف أو زاوية أن يتفقد نفسه في دعواها الإخلاص والانقطاع إلى اللّه تعالى ، فإن رآها تستوحش من ترك تودد الناس إليها وغفلتهم عنها فهو كاذب في دعواه الانقطاع إلى اللّه تعالى ، فإن الصادق يفرح إذا غفل عنه الناس ونسوه فلم يفتقدوه بهدية ولا سلام ، ويفرح إذا انقلب أصحابه كلهم عنه واجتمعوا بشيخ آخر مرشد كما بسطنا الكلام على ذلك في كتاب [ « عهود المشايخ » ] واللّه أعلم .